اللغة البديلة . وحش القبو
![]() |
| عبد الحميد الجمعة |
لغة التخاطر
الإتصال بالعقل الباطن و قراءة أفكار من لا يسمح لك بذلك مهمة لم تكن سهلة على الإطلاق لكنها بالمقابل لم تكن مستحيلة، أذكرُ جيداً عندما نجحتُ في هذا الأمر وكانت فرحتي حينها لا توصف .
كنتُ أحاولُ التركيز في عيون الناس من حولي لكنهم لم يسمحوا لي بذلك كانوا ينظرون في وجهي للحظات ثم يصرفون عني النظر لم أكن أفهم سبب ذلك السلوك إلا أنّ شاباً في الثلاثين من عمره ساعدني على تحقيق ما أصبو إليه ، فقد كان قد تولى مهمة تعليمي "لغة الكلام " التي يستخدمونها في تبادلهم للأفكار فيما بينهم هذا الأمر أتاح لي أن أستخدمه في ذلك.
كنت أجلس على الكرسي المتحرك قبالة لوحة بيضاء عُلِّقَتْ عليها صورٌ لبعض الأدوات التي يستخدمونها في حياتهم و للمخلوقات التي تعيش معهم في هذا العالم، كان ذلك الشاب يبذل قصارى جهدهِ لكي يحقق نجاحاً في مهمته وكنت أنا بالمقابل أبذل كل ما أستطيع لكي أتلصص على أفكارهِ وأقتحم ساحة الوعي لديهِ دون إذنهِ، كنتُ أعلم أنه سلوك ضد ما أوصاني به ( رجل النور) إلا أنني كنتُ أقنع نفسي بأني أعاملهم بالمثل فقد اقتحموا هم أيضاً عالمي دون إذني وجاءوا بي إلى هنا .
لم تكن لدي الرغبة في تعلم تلك اللغة الساذجة لذا كنتُ منصرفاً تماماً عن التفاعل مع ما يحاول ذلك الشاب أن يقدمه لي ، وكانت كل مدركاتي تتجه نحو هدفٍ واحد " التلصص على أفكاره".
لم يمضِ الكثير حتّى نجحت في ذلك عندما شعرَ بالعجز أمام صمتي المطبق وعدم تجاوبي معه الأمر الذي جعله يقف حائراً ينظر في وجهي فترة من الوقت، عندها استطعت استقبال موجة "كهرومغنطيسية " تحمل معها ما يفكرُ فيه هذا الشاب.
عرفتُ حينها أنّ أدمغتهم تستقبل الأفكار وتعالجها وتحللها عن طريق موجات كهرومغنطيسية، فلو استطعت اعتراض تلك الموجات في أدمغتهم سأكون قادراً على قراءة أفكارهم بسهولة، وأخذت أتدرب على ذلك ولم يمضِ كثيرٌ من الوقت حتى أصبحت ماهراً في قراءة الأفكار، أما الشاب فقد قدّم اعتذاره عن تعليمي بحجة أنّ جميع محاولاته باءت بالفشل ، معلّمي الذي أصابهُ الإحباط بسببي وغادر لم يكن يدري أنّه سرّ نجاحي .
كنتُ أشعرُ بحالةٍ من الغبطة والفرح حيال ما وصلتُ إليه من نجاح فقد كسرتُ تلك العزلة القاسية وحالة الفراغ التي كنتُ أشعر بها بعد رحيل رجل النور عني وصار بمقدوري الآن التواصل مع من هم حولي، صحيح أنّه تواصلٌ من طرفٍ واحد قائم على مبدأ السطو غير المشروع للأفكار إلا أنّه كان يمنحني القدرة على فهم العالم من حولي.
من حسنِ حظي أنّ الطيور كانت تجيد لغة التخاطر هي أيضاً فلم أكن أنا وحدي في هذا العالم من يستخدم هذه اللغة ، كنتُ أرتاحُ كثيراً للتعامل مع العصافر التي كانت تأتي كل صباحٍ إلى الشرفة المطلة نحو الخارج لأطعمها من خبزِ فطوري .
من علّمَ هذه الكائنات "لغة التخاطر" ؟ سؤالٌ لم أجد له إجابةً ! سألتها مرةً إن كانت تعرف رجل النور لكنها استغربت سؤالي فلم تكن لديها أدنى فكرة عمّا أتحدث عنه.
كانَ الناسُ يستغربون العلاقة التي تربطني بالعصافير فقد كانَ بعضهم يتجمهرُ كلّ صباحٍ في الساحة العامة أمام المبنى للتقاط بعض الصور والعصافيرُ تغطي جسدي وتأكلُ الخبزَ من يدي وتطيرُ حيث أشيرُ لها أصبحتُ شخصيةً معروفة في أرجاء المدينة وكان الناس يطلقون عليّ لقبَ " وحش القبو ".
*** *** ***

تعليقات
إرسال تعليق