الدماغ سر الطبيعة الأكبر

 



عبد الحميد الجمعة


*الدماغ سر الطبيعة الأكبر*

مضتِ الأيامُ والأسابيعُ وأنا أمارسُ لعبتي في التلصّصِ وقراءة أفكار الناس  ، أصبحَ هذا العالم بالنسبة لي مكتبة كبيرة وأدمغة الناس هي الكتب أقرأها ولكن بأسلوبي الخاص،  عرفتُ الكثير عن هذا العالم وهؤلاء الناس ، عرفت تاريخهم وعلومهم ومعتقداتهم ودياناتهم وطبيعة أدمغتهم أيضاً

ساعدتني قدرتي في استخدام وعيي للنفاذ في أدمغتهم على فهم ذلك العضو المهم في أجسادهم لقد كان للدماغ أجزاءه التي تكونه مستنسخة في نصفين - نصف أيمن ونصف أيسر -  متصلان ببعضهما عن طريق سُبل عصبية تربط بينهما،  تنتقل عبرها الأفكارُ جيئةً وذهاباً على شكل ومضات كهربائية.

الغريبُ المحيّرُ في الأمرِ هو أنّ كلّ نصفٍ كان دماغاً قادراً على أن يستقلّ بذاتهِ وأن يقومَ بمهامهِ بمعزل عن النصف المقابل له، الأمر الذي جعلني أشكُّ في أنّ هذا الدماغ قد خُلِقَ بطريقة عبثية غير دقيقة على عكس ما كنتُ أؤمن به بأنّ الله لا يخلقُ الأمورَ زائدةً عن الحاجة ولا يخلقها منقوصةً! ، فما الحاجة لنصفين في الدماغ إذا كان نصفٌ واحدٌ قادراً على أن يكون دماغاً يؤدي مهامه  !!

بقي هذا السؤالُ لغزاً محيراً لفترة طويلة من الزمن إلى أن استطعتُ تحصيل حلّهِ في دماغ أحدهم ، كانَ ذلكَ في عيادة الطبيب الذي كانوا يأخذوني إليهِ بشكلٍ دوري للإطمئنان عن صحتي حين أجلسوني في قاعة الإنتظار حتى يأتي دوري في المعاينة .

ركنتْ المربية التي كانت ترافقني الكرسيَّ المتحرك في مكانٍ قريب من باب غرفة المعاينة الأمر الذي مكنني من النفاذ بوعيي نحو الداخل والتلصص على ما يجري بين الطبيب والمريض .

كان ذلك المريض يعاني من حالة مرضية تُسمى " الصّرع" يعانون المرضى به نوبات صرع كبيرة تنتج غالباً من دارات تغذية راجعة بين نصفي كرة الدماغ اللذان يخرجان عن السيطرة، وكصوت انفجار كبير في رأس المريض تسبب دارة التغذية الراجعة نوبات من الاختلاج والشلل المؤقت للجسد  قد تصبح هذه النوبات مهددة لحياة المريض.

عندما توغلتُ أكثر في دماغ المريض تفاجأتُ بأنّ ذلك الطبيب قد أجرى عملاً جراحيّاً لدماغهِ حيث قامَ بقطع السُبل العصبية التي تصل بين نصفي كرة الدماغ و بذلك قطع أي طريق للإتصال بينهما والتشارك في المعلومات وأوقف بذلك دارة التغذية الراجعة وبالتالي أوقفَ نوبات الصرع.

صُدمتُ كثيراً من فعلتهِ؟! كيفَ له أن يفعل ما فعلهُ؟ لقد أصبح جسد المريض خاضع لإرادة عقلين كل منهما مستقل عن الآخر! فقد تحرر كل نصف عن النصف المقابل له،  إنّ هذا أشبه بثعبان ذو رأسين!، كانَ المريض يخبر طبيبهُ بأنهُ غير قادر على التحكم بتصرفاتهِ وأنّه كان على وشك أن يقبلَ زوجتهُ مستخدماً يدهُ اليمنى لكنّ يدهُ اليسرى وجهت لها لكمة على وجهها! ،إنّه الصراع من أجل السيطرة،  يسعى فيه كل نصف أن يفرض سيطرته على القرار ؟.

كنتُ سأنسحبُ لكن فضولي في معرفة سبب الصراع بين نصفي كرة الدماغ جعلني أفكرُ في التواصل مع كل نصف على حدة قمتُ بسؤال النصف الأيمن فيما لو كان مؤمناً فأجاب بنعم أمّا النصف الأيسر فقد فاجأني عندما نطق المريض بالإجابة بأنّهُ ملحد! عرفتُ حينها أنّ مراكز النطق خاضعة لسيطرة النصف الأيسر، تفاجأ الطبيب من قول مريضهِ وطلبَ منه أن يهدأ بعد أن ناولهُ كأساً من ماء .

برغم خطورة ما كنتُ أقوم به إلا أنني قررت أن أطرح سؤالاً آخراً وأخيراً حين سألت النصف الأيمن ماذا يطمح أن يكون في المستقبل فكانت الإجابة بأنهُ يطمح لأن يكون كاتب قصص قصيرة أمّا النصف الأيسر وقد نطق المريض مرة أخرى مجيباً أنّه يطمح أن يكون لاعب شطرنج عالمي !، ثم انسحبتُ لكي لا يفتضح أمري.

كانت دهشتي كبيرة  أمام ماعرفتهُ عن الدماغ حينها ، لم يكن نصفي كرة الدماغ نسختين متطابقتين  كما كنتُ أعتقد على العكس تماماً فقد كان هذا الدماغ يمتلك خاصية غريبة ، إذ أنّ كل نصف يؤدي وظائفَ مختلفة تماماً عن النصف الآخر ويرى الأمور برؤية مختلفة،  وكان النصف الأيسر هو المسيطر  إلا أنّ قطع السُبل العصبية التي تصل بينهما حرر النصف الأيمن من هذه السيطرة.

الدماغ الأيسر أكثر تحليلاً ومنطقية وفيه توجد المهارات اللفظية بينما الدماغ الأيمن أكثر شمولية وفنّيّة

حزنتُ لأجل هذا المريض لا أدري كيف لمثل هذا الشخص أن ينام وهو يفكر في أن يده الأخرى المتمردة قد تخنقهُ ؟! فعادةً يكمل كل من نصفي الكرة الآخر ويتشاركان في اتخاذ القرار أما بعد شطر النصفين داخل جمجمتهِ صار له كيانان لكل منهما خطته ورؤيته الخاصة للمستقبل أحدهما صامت يسعى إلى التفوّق ليكون حرّاً .


لطالما تصورت هذا العالم على أنّه تبدي قائم على مبدأ ثنائيات متناوبة أو حتى متصارعة فيما بينها  أذكر أنني أسميته  بمبدأ (تكافؤ الأضداد) إذ أنّ هذا العالم مستمر ومتجدد نتيجة صراع متناقضات تكافئ بعضها في الصراع ، (الخير والشر - الحياة والفناء - الولادة والموت -السالب والموجب - النور والظلام ) هذه الأقطاب على تعارضها فهي لا تسعى أن تلغي بعضها بل تنشأ معاً ويتخذ كل ضد معناه من ضدهِ فلا خير بلا شر ولا نور بلا ظلام .

كل شيء خاضع لهذه الثنائية ومستمر باستمرارها إلا الله فإنه منزّه عن هذا المبدأ لأنه - كما قال لي رجل النور يوماً  - "اللهُ أحد" فلا كفؤاً لهُ يناقضهُ ليكسبهُ صفة وجودهِ فهو قائمٌ بذاتهِ ، قادر بذاتهِ مستمر بذاتهِ .

ولكن مهلاً ! لماذا لا تكون طبيعة الدماغ الذي يمتلكه الإنسان تجعله يرى العالم على هذا النحو ؟! إنّ الدماغ يستقبل المعلومات التي تزوده بها الحواس ، ثم يعالجها وفق رؤيتين متناقضتين تماماً بنصفيه الأيمن "المؤمن" والأيسر "الملحد" .

لا أدري تماماً أين الحقيقة،  إلا أنني شيئاً فشيئاً أصبحتُ أدرك بأنّ "العقل" -الذي هو في جوهرهِ طبيعة ما ورائية للدماغ - هو أيضاً نتاج لصراع ثنائي تمثله أنصاف الدماغ ، هذا العقل الذي أنتجتهُ الطبيعة والذي كان من المفترض أن يقرأها ويفهمها ويتعلّم لغتها ويصغي جيداً إلى ما تقولهُ كان قد نصّبَ نفسهُ سيّداً عليها ، وعَمِلَ على أن يطوّعها في خدمتهِ أو حتّى في هلاكِ جنسهِ ، فهو عندما عرف الذرة  برعَ بشكلٍ رهيب بابتكار الأسلحة المرعبة التي تهدد مستقبل البشرية على هذا الكوكب! .

إن التفكير بمنطق أحد نصفي الدماغ وإلغاء الآخر ليس سوى شذوذ عن طبيعة العالم ، هذا العقل الشاذ  قد نتج عنه التطرف والإلحاد والجريمة والانحراف بالبشريّة نحو الهاوية! ، "عقلٌ أعورٌ دجال " .


عبد الحميد الجمعة


                                ***         ***         ***    

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

التعليم في الإدارة الذاتية

اللغة البديلة . وحش القبو

كلمات رائعة - رشا شماس